المقريزي

375

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

أمروا أن يكون شهر الناسخ رأس شهورهم ويكون أوّل السنة ، فقال موسى عليه السلام للشعب : اذكروا اليوم الذي خرجتم فيه من التعبد ، فلا تأكلوا خميرا في هذا اليوم في الشهر الذي ينضر فيه الشجر . فلذلك اضطرّوا إلى استعمال سنة الشمس ليقع اليوم الرابع عشر من شهر نيس في أوان الربيع حين تورق الأشجار وتزهو الثمار ، وإلى استعمال سنة القمر ليكون جرمه فيه بدرا تام الضوء في برج الميزان ، وأحوجهم ذلك إلى إلحاق الأيام التي يتقدّم بها عن الوقت المطلوب بالشهور إذا استوفيت أيام شهر واحد ، فألحقوها بها شهرا تاما سمّوه آذار الأوّل ، وسموا آذار الأصل آذار الثاني ، لأنه ردف سميا له وتلاه ، وسموا السنة الكبسة عبورا ، اشتقاقا من معبار ، وهي المرأة الحبلى بالعبرانية ، لأنهم شبهوا دخول الشهر الزائد في السنة بحمل المرأة ما ليس من جملتها ، ولهم في استخراج ذلك حسابات كثيرة مذكورة في الأزباج . وهم في عمل الأشهر مفترقون فرقتين ، إحداهما الربانية : واستعمالهم إيّاها على وجه الحساب بمسير الشمس والقمر الوسط ، سواء رؤي الهلال أو لم ير ، فان الشهر عندهم هو مدّة مفروضة تمضي من لدن الاجتماع الكائن بين الشمس والقمر في كل شهر ، وذلك أنهم كانوا وقت عودهم من الجالية ببابل إلى بيت المقدس ينصبون على رؤس الجبال دبادب ، ويقيمون رقباء للفحص عن الهلال ، وألزموهم بإيقاد النار وتدخين دخان يكون علامة لحصول الرؤية ، وكانت بينهم وبين السامرة العداوة المعروفة ، فذهبت السامرة ورفعوا الدخان فوق الجبل قبل الرؤية بيوم ، ووالوا بين ذلك شهورا ، اتفق في أوائلها أن السماء كانت متغيمة ، حتى فطن لذلك من في بيت المقدس ، ورأوا الهلال غداة اليوم الرابع أو الثالث من الشهر مرتفعا عن الأفق من جهة المشرق ، فعرفوا أن السامرة فتنتهم ، فالتجأوا إلى أصحاب التعاليم في ذلك الزمان ليأمنوا بما يتلقونه من حسابهم مكايد الأعداء ، واعتلوا لجواز العمل بالحساب ونيابته عن العمل بالرؤية بعلل ذكروها ، فعمل أصحاب الحساب لهم الأدوار ، وعلّموهم استخراج الاجتماعات ورؤية الهلال ، وأنكر بعض الربانية حديث القرباء ورفعهم الدخان ، وزعموا أن سبب استخراج هذا الحساب هو أن علماءهم علموا أن آخر أمرهم إلى الشتات ، فخافوا إذا تفرّقوا في الأقطار وعوّلوا على الرؤية أن تختلف عليهم في البلدان المختلفة فيتشاجروا ، فلذلك استخرجوا هذه الحسبانات واعتنى بها اليعازر بن فروح ، وأمروهم بالتزامها والرجوع إليها حيث كانوا . والفرقة الثانية هم الميلادية الذين يعملون مبادي الشهور من الاجتماع ، ويسمّون القرّاء والأسمعية ، لأنهم يراعون العمل بالنصوص دون الالتفات إلى النظر والقياس ، ولم يزالوا على ذلك إلى أن قدم عاتان رأس الجالوت من بلاد المشرق في نحو الأربعين ومائة من الهجرة إلى دار السلام بالعراق ، فاستعمل الشهور برؤية الأهلة على مثل ما شرع في الإسلام ، ولم يبال أي أيّ يوم وقع من الأسبوع ، وترك حساب الربانيين ، وكبس الشهور بأن